الحسن الهمداني ( ابن الحائك )

347

الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير

ومواضع كثيرة بالمشرق « 1 » وبالرحبة ميفعة « 2 » وجدر « 3 » ، ولهم أكثر حقل صنعاء ومنه ميدان عباد بن الغمر « 4 » ، [ ذكر محمد بن خالد البرمكي واحتقاره غيل صنعاء ومحسنة عباد بن الغمر ] فلما احتفر ابن برمك « 5 » نهر صنعاء الكبير المعروف بغيل بن برمك « 6 » وقعت مضاربة وفساتيجه « 7 » في أرض عباد بن الغمر ، فسأله بيع منقذ الغيل فكره وقال : ما مثلي باع وسطا من أرضه ، ولا يحسن بي أن أمنعك سبيلا من سبل الخير ، ولكني أفسح لك على أن تجعل لي في مكرمتك نصيبا ، قال : قل ما يجب ، قال : شغرة منه « 8 » أجعلها لأهل صنعاء

--> ( 1 ) المراد بالمشرق : مشرق صنعاء ، وهي خولان العالية ، وبعض سنحان . ( 2 ) ميفعة : بفتح الميم وسكون الياء من تحت ، ثم فاء وعين مهملة وهاء آخر الحروف ، لا يعرف مكانها بالضبط ، ولعلها شمال الروضة من الرحبة ، وميفعة أيضا قرية من حضور غربي صنعاء . وميفعة : قرية أيضا من مخلاف مقري ، مغرب عنس في الغرب الشمالي من ذمار . وميفعة أيضا : بحضرموت ، والميفعة : بلدة من عنس السلامة شرقي ذمار . ( 3 ) جدر : بفتح الجيم وكسر الدال المهملة ، آخره راء : قريتان عظيمتان مقتبلتان في قاع الرحبة شمال صنعاء بمسافة ساعتين ونصف ، وأهلها عتاة أشرار ، كلما آنسوا فترة من السلطان واضطراب الحبل ، انقضوا على صنعاء والسابلة ، ويتراوح نفوسها بين ألفي نسمة ، وهم من بلحارث . ( 4 ) لا يعرف ميدان عباد اليوم بصنعاء ، والبحث جار . ( 5 ) ابن برمك : هو محمد بن برمك ، أخو خالد بن برمك ، وكان من العباد ، الزهاد النساك الأجواد ، حسن الملكة ، مستقيم الأخلاق ، شفيقا رحيما بالرعية . دخل صنعاء أميرا على اليمن من قبل الخليفة هارون الرشيد ، سنة اثنتين وثمانين ومائة ، وله أخبار في العدل والجود كثيرة ، فمنها أنه كان أيام استيفاء الخراج يسكن مدينة منكث ليتسنى لأهل مخلاف الجند القرب منه ، ومنها إذا خرج للنزهة وهي المسماة عندنا عرفا اليوم « بالدورة » ، استصحب معه كمية من الدرهم والدينار ، فكلما وجد في سبيله مسكينا أو فقيرا أو محتاجا ، رمى له من تلك الدنانير والدراهم ، وربما عاد ولا شيء معه ولما أكمل حفر الغيل المذكور ، وأدخله إلى صنعاء ، جمع أهل صنعاء وأقسم لهم الأيمان الشديدة أنه لم يصرف - في حفره وجره - من مال السلطان ولا من مال حرام ولا شهبة ، وإن ذلك من ماله الخاص ، ثم أوقفه على المسلمين . ولما انتقضت عليه تهامة ، كتب لهارون الرشيد بذلك ، فرفعه وأبدله بحماد البربري المتقدم الذكر . ( 6 ) غيل البرمكي : لا يعرف اليوم ولا تعرف مجاريه ؛ ويقال إن منبعه من بيت عقب من بني بهول ، وقد حققنا البحث في التاريخ ، فارجع إليه . ويقول المؤرخ الجندي في تاريخه : أنه مستمر إلى عصره سنة أربع وعشرين وسبعمائة . ( 7 ) لم أجد هذه المادة فيما بين يدي من معاجم اللغة ، والمؤلف من أئمة اللغة ، وهو لا ينتقي إلا فصيح الكلم ؛ وفي المنجد فقط : « فسج فسجا : فرج بين رجليه ليبول » . فربما أن تكون الكلمة من هذه المادة ، وأن المراد بذلك الفروج والشقوق التي تجري فيها المياه كالسواقي ونحوها . ( 8 ) الشغرة : بالشين والغين المعجمتين بحركتين ثم راء وهاء : هي الجزء المفصول من الغيل الكبير ، وهي لغة يمنية فصحى مستعملة إلى يوم الناس هذا ، ولا سيما في صنعاء وأحوازها ، وليست في المعاجم التي بين يدي ، وكثيرا ما يستعمل المؤلف لغة وطنه ، لأنه يرى أنها اللغة الأصلية وموطن السامية .